يُنظر إلى المشي أحيانًا بوصفه نشاطًا لمن لا يستطيع غيره، أو خيارًا تمهيديًا يُمارَس حتى يجد المرء رياضة حقيقية. وهذه النظرة تقلل من قيمة ما يُعد واحدًا من أكثر الأنشطة البدنية دراسةً وارتباطًا بفوائد صحية واسعة.
وما يميّز المشي عن غيره ليس شدته بل إمكانية الالتزام به. فهو لا يحتاج معدات ولا اشتراكًا ولا مهارة ولا وقتًا مخصصًا بالضرورة، ويمكن إدراجه في مسار اليوم بدل إضافته إليه. وهذا ما يجعل معدل الاستمرار فيه أعلى بكثير من أنشطة تبدو أكثر فاعلية على الورق.
ويضاف إلى ذلك أن أثره لا يقتصر على الجانب البدني: فالمشي يرتبط بتحسن المزاج وجودة النوم والقدرة على التفكير، وهذه فوائد يلاحظها الممارس سريعًا وقبل أي تغيّر في الوزن أو اللياقة.
وهذا المقال يتناول ذلك بالتفصيل: ما الذي يحدث في الجسم أثناء المشي، وكم يحتاج الشخص فعلًا، وكيف يُدرَج في يوم مزدحم، وكيف يُرفع أثره دون زيادة المدة.
ما الذي يفعله المشي في الجسم؟
يعمل المشي أولًا على الجهاز الدوري، إذ يرفع معدل ضربات القلب بدرجة معتدلة ويحسّن كفاءة الدورة الدموية، ويرتبط الانتظام فيه بتحسن مؤشرات صحة القلب. وهذا الأثر يتراكم مع الاستمرار ولا يحتاج شدة عالية ليتحقق، وهو ما يجعله متاحًا لمن لا يستطيع أنشطة أشد.
ويؤثر ثانيًا على استهلاك الجسم للطاقة وتنظيم سكر الدم، إذ تستهلك العضلات العاملة الجلوكوز أثناء الحركة، ولهذا يُلاحَظ أن المشي بعد الوجبات تحديدًا يرتبط بأثر أوضح على سكر الدم من المشي في وقت آخر. ويعمل ثالثًا على الجهاز الحركي بطريقة يغفلها كثيرون: فالمشي تحميل خفيف متكرر على العظام، وهذا التحميل من العوامل التي تحفّز العظم على الحفاظ على كثافته، كما يحافظ على مرونة المفاصل ويقلل التيبس الناتج عن الجلوس الطويل.
ويبقى أثره على الجهاز العصبي وهو أسرع ما يُلاحَظ: تحسن في المزاج، وانخفاض في التوتر، ووضوح أكبر في التفكير. ولهذا يجد كثيرون أن مشية قصيرة تفعل في مشكلة عالقة ما لا يفعله الجلوس للتفكير فيها ساعة.
كم يحتاج الشخص من المشي؟
تتحدث الإرشادات الصحية عمومًا عن مقدار أسبوعي من النشاط المعتدل يمكن توزيعه على الأيام، والمشي السريع من أوضح أمثلة هذا النشاط، والتوزيع على خمسة أيام بثلاثين دقيقة يحقق ذلك دون أن يكون الطريقة الوحيدة.
أما حديث عدد الخطوات فقد تغيّر فهمه في السنوات الأخيرة. فالرقم الذي انتشر ولا يزال متداولًا لم يكن في أصله توصية صحية بل جاء من سياق تسويقي، وقد أظهرت دراسات لاحقة أن فوائد ملموسة تبدأ عند أعداد أقل بكثير وأن المنحنى يواصل التحسن ثم يستقر عند حد معين. والأهم من الرقم المطلق هو الفارق الشخصي: فمن يمشي ألفي خطوة يوميًا ويرفعها إلى خمسة آلاف يحقق تحسنًا أكبر مما يحققه من يرفعها من تسعة آلاف إلى اثني عشر ألفًا، لأن المكسب الأكبر يكون في الانتقال من القليل جدًا إلى المعتدل لا في السعي إلى أرقام عالية.
والقاعدة العملية التي تخدم أكثر من أي رقم: اعرفي متوسطك الحالي أولًا لأيام قليلة، ثم استهدفي زيادته تدريجيًا بألف خطوة. فهذا هدف واقعي قابل للتحقيق ويتراكم أثره، بخلاف استهداف رقم بعيد يُهجَر بعد أيام ويترك إحساسًا بالفشل.
كيف تدرج المشي في يوم مزدحم؟
الفكرة التي تحل معظم المشكلة أن المشي لا يحتاج وقتًا مخصصًا بالضرورة، بل يمكن إدراجه في مسار اليوم القائم. فاركني بعيدًا قليلًا عن وجهتك، واستخدمي الدرج بدل المصعد لطابق أو اثنين، وانزلي قبل محطتك بواحدة إن كنت تستخدمين المواصلات، فهذه التعديلات الصغيرة تتراكم دون أن تشعري بها كوقت مقتطع من يومك.
واستثمري المكالمات الهاتفية في المشي بدل الجلوس، فكثير منها لا يحتاج جلوسًا ولا شاشة ومكالمة عشر دقائق تعني مئات الخطوات. واجعلي جزءًا من الاجتماعات غير الرسمية ماشيًا إن كان ذلك ممكنًا في بيئتك، فالنقاش أثناء المشي يفيد أحيانًا أكثر من الجلوس المتقابل.
وقسّمي المدة إن تعذّرت الجلسة الواحدة، فثلاث مشيات بعشر دقائق موزعة على اليوم تعطي أثرًا قريبًا مما تعطيه نصف ساعة متصلة وهي أسهل تنفيذًا لمن جدوله مزدحم. وخصصي مشية قصيرة بعد الوجبة الرئيسية، فهذا أفضل توقيت من ناحية الأثر على سكر الدم ولا يحتاج أكثر من عشر إلى خمس عشرة دقيقة.
كيف ترفع أثر المشي دون زيادة المدة؟
المتغير الأول هو السرعة، فالمشي السريع الذي يرفع النفس قليلًا ويجعل الحديث ممكنًا مع صعوبة يُصنَّف نشاطًا معتدلًا، بينما المشي البطيء المتقطع أثره أقل بكثير. وهذا المعيار البسيط — أن تستطيعي الكلام لا الغناء — يحدد الشدة المناسبة دون أي أجهزة.
ويليه تغيير التضاريس، فالمشي في منحدر أو على درج يرفع الجهد بشكل ملموس دون زيادة الوقت، وإضافة صعود بسيط إلى مسارك المعتاد تغيّر شدة الجلسة كلها. ويأتي بعده التقطيع بفترات: أن تسرعي دقيقة ثم تعودي إلى وتيرتك دقيقتين وتكرري ذلك، وهذا الأسلوب يرفع الأثر على اللياقة القلبية أكثر من المشي بوتيرة واحدة طوال المدة. ويمكن كذلك حمل وزن خفيف كحقيبة ظهر معتدلة بشرط ألا يكون كبيرًا وألا يخل بوضعية الظهر.
ويبقى ما لا علاقة له بالشدة لكنه يفرق في الراحة: وضعية المشي نفسها. فالنظر إلى الأمام لا إلى الأرض، وإرخاء الكتفين، وتحريك الذراعين بشكل طبيعي، كلها تجعل المشية أكفأ وأقل إرهاقًا للرقبة والظهر على المسافات الطويلة.
كيف تتجنب الإصابات والمشكلات الشائعة؟
الحذاء هو أول ما يستحق الانتباه، فالمشي بحذاء غير مناسب أو متهالك هو السبب الأشيع لآلام القدم والركبة عند من يبدأ. والحذاء المناسب يدعم القوس ويمتص الصدمات ويناسب شكل قدمك، ويُستبدَل دوريًا لأن قدرته على الامتصاص تتراجع مع الاستخدام حتى لو بدا سليمًا من الخارج.
ويمنع التدرج في المسافة والسرعة معظم ما تبقى من مشكلات، فالقفز من ألفي خطوة إلى عشرة آلاف في يوم واحد يحمّل المفاصل فوق ما اعتادته، والزيادة المعقولة نحو عشرة في المئة أسبوعيًا. ويفيد الإحماء والتهدئة هنا أيضًا رغم أن المشي نشاط معتدل: فالبدء بوتيرة هادئة خمس دقائق ثم الرفع، والانتهاء بوتيرة هادئة قبل التوقف، يقللان الشد العضلي.
وتستحق الأرضية انتباهًا كذلك، فالمشي الطويل على أسطح صلبة جدًا يزيد الحمل على المفاصل وتنويع المسار يخفف ذلك. ويبقى الترطيب خصوصًا في الأجواء الحارة، فالمشي في الحر يرفع فقد السوائل بشكل ملحوظ، ويُنصح باختيار أوقات أبرد من اليوم وحمل الماء في المشيات الطويلة.
ما الأخطاء التي تقلل فائدة المشي؟
أولها المشي البطيء المتقطع مع الانشغال بالهاتف، فهذا لا يصل إلى شدة النشاط المعتدل ولا يعطي الأثر المرجو رغم استهلاكه الوقت نفسه. ويليه ربط المشي بهدف واحد هو إنقاص الوزن، فحين لا يتحقق سريعًا يُترك رغم أن فوائده الأخرى تتحقق فعلًا في صحة القلب وسكر الدم والمزاج والنوم، والحكم عليه بالميزان وحده يظلمه ويقطعه.
ومن الأخطاء المتكررة استهداف رقم بعيد من البداية، فمن يقفز إلى هدف مرتفع يجد نفسه عاجزًا عن الالتزام فيترك كل شيء، بينما البناء التدريجي من المتوسط الحالي أنجح بكثير. ويقلل الفائدةَ كذلك إهمال العد الكامل لحركة اليوم، فمن يحسب المشي المخصص فقط يغفل أن حركته العامة جزء من المعادلة وقد تكون هي الأكبر عند من يعمل واقفًا.
وتبقى مشكلة تخص الأجواء الحارة: الإصرار على المشي في أوقات الذروة الحرارية، وهو ما يحوّل نشاطًا مفيدًا إلى إجهاد حقيقي قد يضر أكثر مما ينفع. والحل تغيير التوقيت إلى الصباح الباكر أو ما بعد الغروب لا التوقف عن المشي.
متى يستدعي الأمر استشارة طبية؟
يُنصح بمراجعة الطبيب قبل البدء ببرنامج مشي منتظم لمن لديه أمراض قلب أو ضغط غير منضبط أو سكري أو مشكلات في المفاصل، ولمن تجاوز سنًا متقدمة ولم يمارس نشاطًا بدنيًا من قبل.
ويستدعي التوقف الفوري ظهور ألم في الصدر أو ضيق تنفس شديد أو دوخة أو خفقان غير معتاد أثناء المشي، ولا يصح تجاهل أي منها أو محاولة إكمال المسافة رغمه. ويستدعي المراجعة كذلك ألم في الركبة أو الورك أو أسفل الظهر يظهر مع المشي ويستمر بعده، فهذا قد يشير إلى مشكلة في المفصل أو في الوضعية أو في الحذاء تحتاج تقييمًا.
ويستحق الانتباه نمطان بعينهما: تورم في القدمين أو الساقين، وألم في الساق يظهر مع المشي ويزول بالراحة ويعود مع المشي مرة أخرى، فهذان يحتاجان تقييمًا طبيًا لا تجاهلًا. وتستدعي المراجعة أيضًا تعب شديد غير متناسب مع مجهود المشي المعتاد، أو تراجع مفاجئ في القدرة على قطع مسافة كانت ممكنة قبل أسابيع.
أسئلة شائعة
كم خطوة أحتاج يوميًا فعلًا؟
الرقم المتداول على نطاق واسع لم يكن في أصله توصية صحية بل جاء من سياق تسويقي، وقد أظهرت دراسات لاحقة أن فوائد ملموسة تبدأ عند أعداد أقل بكثير وأن المنحنى يستقر عند حد معين. والأهم من الرقم المطلق هو الفارق الشخصي: فمن يمشي ألفي خطوة ويرفعها إلى خمسة آلاف يحقق تحسنًا أكبر ممن يرفعها من تسعة آلاف إلى اثني عشر ألفًا، لأن المكسب الأكبر في الانتقال من القليل جدًا إلى المعتدل. والقاعدة العملية: اعرفي متوسطك الحالي لأيام، ثم استهدفي زيادته تدريجيًا بألف خطوة.
هل المشي يكفي للحفاظ على الصحة؟
يغطي جانبًا كبيرًا منها ولا يغطيها كلها. فهو ممتاز لصحة القلب والدورة الدموية وتنظيم سكر الدم والمزاج والنوم والحفاظ على مرونة المفاصل، وهذه فوائد واسعة لا يُستهان بها. لكنه لا يوفّر التحميل الذي تحتاجه العضلات للحفاظ على كتلتها وقوتها، وهذا يأتي من تمارين المقاومة تحديدًا. ولهذا توصي الإرشادات الصحية بالاثنين معًا: نشاط هوائي منتظم كالمشي، وتمارين مقاومة مرتين إلى ثلاث أسبوعيًا تشمل مجموعات العضلات الكبرى.
ما أفضل وقت للمشي؟
أفضل وقت هو الذي تستطيعين الالتزام به باستمرار، فالانتظام يتفوق على التوقيت المثالي. ومع ذلك هناك ملاحظتان عمليتان: الأولى أن المشي بعد الوجبات يرتبط بأثر أوضح على سكر الدم، وعشر إلى خمس عشرة دقيقة بعد الوجبة الرئيسية تكفي لذلك. والثانية أن الأجواء الحارة تجعل أوقات الذروة الحرارية غير مناسبة، فالمشي فيها يتحول من نشاط مفيد إلى إجهاد حقيقي، والحل تغيير التوقيت إلى الصباح الباكر أو ما بعد الغروب لا التوقف عن المشي.
كيف أرفع فائدة المشي دون زيادة الوقت؟
بأربعة متغيرات. الأول السرعة، فالمشي السريع الذي يرفع نفسك قليلًا ويجعل الكلام ممكنًا مع صعوبة يُصنَّف نشاطًا معتدلًا بخلاف المشي البطيء المتقطع. والثاني التضاريس، فإضافة منحدر أو درج ترفع الجهد بوضوح بالمدة نفسها. والثالث التقطيع بفترات: أن تسرعي دقيقة ثم تعودي لوتيرتك دقيقتين وتكرري، فهذا يرفع الأثر على اللياقة القلبية. والرابع حمل وزن خفيف كحقيبة ظهر معتدلة، بشرط ألا يكون كبيرًا وألا يخل بوضعية الظهر.
لماذا تؤلمني ركبتي أو قدمي بعد المشي؟
السبب الأشيع هو الحذاء: فالمشي بحذاء غير مناسب أو متهالك يفقد قدرته على امتصاص الصدمات هو أكثر ما يسبب آلام القدم والركبة عند من يبدأ. والسبب الثاني عدم التدرج، فالقفز من مسافة قليلة إلى كبيرة في أيام يحمّل المفاصل فوق ما اعتادته، والزيادة المعقولة نحو عشرة في المئة أسبوعيًا. والثالث الأرضية، فالمشي الطويل على أسطح صلبة جدًا يزيد الحمل. وإن استمر الألم بعد معالجة هذه الأسباب أو كان حادًا فالمراجعة الطبية ضرورية لا اختيارية.
هل المشي المتقطع بنفس فائدة المتصل؟
قريب منه بدرجة كبيرة، وهذه أهم ملاحظة عملية لمن جدوله مزدحم. فثلاث مشيات بعشر دقائق موزعة على اليوم تعطي أثرًا مقاربًا لما تعطيه نصف ساعة متصلة من حيث الفائدة العامة على القلب واستهلاك الطاقة. وهذا يزيل أكبر عذر يمنع الناس من المشي وهو عدم توفر نصف ساعة متصلة. والأهم أن تكون كل فترة بوتيرة سريعة نسبيًا لا مجرد تنقل بطيء، فالشدة هي ما يحدد الأثر لا مجرد الحركة.
0 تعليقات